بيان معماري في طراز الآر ديكو
بُنيت عمارة الصايغ سنة 1930 في شارع حسن الصغير، وهي ترفع أبراجها الثلاثة فوق الدار البيضاء. وصاحب هذا التكوين العمودي، الذي صار جزءاً من صورة المدينة، هو المعماري ماريوس بوايي. والآر ديكو (طراز العمارة والزخرفة بين الحربين) ليس هنا زخرفة ملصقة على واجهة. إنه يشكّل المبنى كلّه، من رسم الكتل إلى طريقة سريان الضوء والهواء فيه.
لماذا ثلاثة أبراج؟
جاء المشروع جواباً عن طموح عمراني من طموحات عصره. ففي عشرينيات القرن الماضي أرادت السلطات وصل حي الميناء بحي الأعمال في نسيج متصل. وكان إريك لابون، الكاتب العام للأشغال العمومية، يشجّع المعماريين والمقاولين على البناء في العلو. فاختار بوايي جواباً واضحاً: أبراج ذات أروقة، مجموعة في كيان واحد.
تضم العمارة عشرة مستويات: سبعة طوابق من الشقق العادية، وطابقاً ثامناً للربط والخدمة، ثم مستويين من الشقق العلوية الفاخرة الممتدة على طابقين (دوبلكس). ترتفع الأجنحة الثلاثة جنباً إلى جنب، وتفصل بينها ممرات ضيقة. وتبقى منفصلة حتى الطابق السابع، ثم تلتقي هناك فتصير كتلة واحدة. ولكل جناح بيت درج خاص به، فتبقى المساكن مستقلة فعلاً من ثلاث جهات: مبنى مهيب من بعيد، وحميمي في الاستعمال.
الضوء مادة بناء
تحتل الواجهات الزجاجية الكبيرة مكانة خاصة بين عناصر هوية المبنى. وهي ليست حلية، بل تمنح الأجزاء المشتركة إضاءة مباشرة وتهوية طبيعية. ينزل ضوء النهار إلى قلب العمارة فيرافق السكان والزوار في تنقلاتهم، ويسري الهواء بحرية في الممرات العمودية.
وتصل هذه العناية بالراحة اليومية إلى تفاصيل التجهيز، مثل أنبوب رمي النفايات. وكان ذلك ترفاً سابقاً لعصره في عمارة سكنية من مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.
العيش في العلو
في جهة شارع حسن الصغير تمتد شرفات واسعة أمام المساكن. وتتغيّر هذه الشرفات كلما ارتفعنا. ففي الطابق السابع تنبسط على ثلاثة مستويات متتالية، وفوق كل مستوى شقة مستقلة تناهز مساحتها 90 متراً مربعاً. وفي الطابق الثامن تتسع أشرطة النوافذ وتنفتح على المغاسل المشتركة (buanderies) المدمجة بين الأبراج.
الطابق الثامن، الذي يربط كل ما عداه
هذا المستوى لا يشبه غيره. فليس فيه شقق عادية، بل استوديوهان اثنان من المساكن التي كانت تُعرف آنذاك باسم شقق العزوبية (غرسونيير). والكلمة تدل على مسكن صغير مستقل يسكنه رجل أعزب. وكانت تدل أيضاً، في تكتم، على مسكن يحتفظ به رجل متزوج ليستقبل فيه من يشاء دون علم زوجته. فالصيغة كانت من أعراف المدينة في ثلاثينيات القرن الماضي بقدر ما كانت من معجم العقار.
وفي هذا الطابق أيضاً مدخل الشقق العلوية في المستويين الأخيرين. ومنه تنفتح أبواب العبور من برج إلى آخر. فالطابق الثامن ليس طابق سكن عادياً، بل هو الطابق الذي يربط كل ما عداه.
هذا الاختيار يربط عمارة الصايغ بنسب أوروبي واضح: عمارات المعماري الباريسي هنري سوفاج، الذي وضع المغاسل المشتركة فوق الأسطح قبل ذلك. وفي الدار البيضاء تأخذ الفكرة بعداً خاصاً، فالغسيل والسماء والمدينة تتقاسم الطابق الأخير نفسه. وتتواصل حياة الأعالي هذه في صفحة فضاءات وأجواء.
حوار الخطوط والمنحنيات
لغة المبنى قائمة على توازن مدروس بين صرامة الخطوط وليونة المنحنيات. وليست هذه الكتابة مجرد تمرين في الأسلوب. فقد كانت عند بوايي تعبيراً عن لقاء التقليد المغربي بالحداثة الغربية، على صورة الدار البيضاء نفسها.
«بين خطوط تصاميمي ومنحنيات مبانيّ، سعيت إلى نسج حوار متناغم بين التقليد المغربي والحداثة الغربية، مجسّداً بذلك الجسر الثقافي الذي تمثّله الدار البيضاء، مدينة التاريخ والمستقبل.»
— ماريوس بوايي
عمارة حيّة
عمارة الصايغ ليست معلمة جامدة. إنها إقامة خاصة يسكنها الناس، وتبثّ فيها المعارض والتصوير السينمائي والتظاهرات الثقافية حياة متجددة. ولا تتاح الزيارة إلا في هذه المواعيد، مثل أيام التراث. ولاكتشاف المبنى بالصور — أبراجه وأروقته وواجهاته الزجاجية وشرفاته — زوروا معرض الصور.
المصدر: جان-لوي كوهين ومونيك إلب، «الدار البيضاء. أساطير ووجوه مغامرة عمرانية»، منشورات هازان.