بيان معماري في طراز الآر ديكو
بُنيت عمارة الصايغ بين 1930 و1932 في شارع حسن الصغير، وهي ترفع أبراجها الثلاثة فوق الدار البيضاء. وصاحب هذا التكوين العمودي، الذي صار جزءاً من صورة المدينة، هو المعماري ماريوس بوايي. والآر ديكو (طراز العمارة والزخرفة بين الحربين) ليس هنا زخرفة ملصقة على واجهة. إنه يشكّل المبنى كلّه، من رسم الكتل إلى طريقة سريان الضوء والهواء فيه.
لماذا ثلاثة أبراج؟
جاء المشروع جواباً عن طموح عمراني من طموحات عصره. ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي أرادت السلطات وصل حي الميناء بحي الأعمال في نسيج متصل. وفي ربيع 1930 عرض الكاتب العام للحماية، إيريك لابون، على اللجنة البلدية مشروعاً لإعادة تشكيل وسط المدينة بعمارات شاهقة. لقي المشروع معارضة شديدة ولم يرَ النور، لكن بوايي، الذي رسم في السنة نفسها مقترحاته الخاصة لأحياء الميناء، اختار جواباً واضحاً: أبراج ذات أروقة، مجموعة في كيان واحد.
تضم العمارة عشرة مستويات فوق محلات الطابق الأرضي: ستة طوابق من الشقق ذات الثلاث أو الأربع غرف، وطابقاً سابعاً للاستوديوهات عند التراجع الأول، وطابقاً ثامناً لشقق العزوبية والمغاسل وغرف الخادمات، ثم مستويين من الشقق العلوية المزدوجة (دوبلكس) ذات الشرفات. ترتفع الأجنحة الثلاثة جنباً إلى جنب، وتفصل بينها ممرات ضيقة. وتبقى منفصلة حتى الطابق السابع، ثم تلتقي هناك فتصير كتلة واحدة. ولكل جناح بيت درج خاص به، فتبقى المساكن مستقلة فعلاً من ثلاث جهات: مبنى مهيب من بعيد، وحميمي في الاستعمال.
أبراج على هيئة زهرة
في التصميم، يبدو كل برج «زهري الشكل» بقدر ما هو صليبي، كما يلاحظ جان-لوي كوهين ومونيك إلب. في المركز نواة مثمّنة تضم المصعد وتؤدي إلى شقق من ثلاث أو أربع غرف، تتوزع غرفها الرئيسية حولها فتنال كلها إضاءة جيدة. وفراغ على شكل صليب، تعلوه سقيفة زجاجية، يوصل الضوء بصورة غير مباشرة إلى غرف الخدمة.
والراحة هنا هدوء أيضاً: فبين كل شقتين يفصل دائماً درج خدمة أو المصعد أو مخازن. ويتبع مبنى ثانوي من أربعة طوابق المبدأ نفسه، لكنه مؤلف هذه المرة من ثلاثة «أنصاف زهرة». وبين المبنيين يغطي الشارع الداخلي المرأب تحت الأرض، وفي الأسفل متاجر كانت تخدم حياً يعرف آنذاك ازدهاراً سريعاً.
الضوء مادة بناء
تحتل الواجهات الزجاجية الكبيرة مكانة خاصة بين عناصر هوية المبنى. وهي ليست حلية، بل تمنح الأجزاء المشتركة إضاءة مباشرة وتهوية طبيعية. ينزل ضوء النهار إلى قلب العمارة فيرافق السكان والزوار في تنقلاتهم، ويسري الهواء بحرية في الممرات العمودية.
وتصل هذه العناية بالراحة اليومية إلى تفاصيل التجهيز، مثل أنبوب رمي النفايات. وكان ذلك ترفاً سابقاً لعصره في عمارة سكنية من مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.
العيش في العلو
في جهة شارع حسن الصغير تمتد شرفات واسعة أمام المساكن. وتتغيّر هذه الشرفات كلما ارتفعنا. ففي الطابق السابع تنبسط على ثلاثة مستويات متتالية، وفوق كل مستوى شقة مستقلة تناهز مساحتها 90 متراً مربعاً. وفي الطابق الثامن تتسع أشرطة النوافذ وتنفتح على المغاسل المشتركة (buanderies) المدمجة بين الأبراج.
الطابق الثامن، الذي يربط كل ما عداه
هذا المستوى لا يشبه غيره. فليس فيه شقق عادية، بل المغاسل وغرف الخادمات وشقتا عزوبية (غرسونيير). والكلمة تدل على مسكن صغير مستقل يسكنه رجل أعزب. وكانت تدل أيضاً، في تكتم، على مسكن يحتفظ به رجل متزوج ليستقبل فيه من يشاء دون علم زوجته. فالصيغة كانت من أعراف المدينة في ثلاثينيات القرن الماضي بقدر ما كانت من معجم العقار.
وفي هذا الطابق أيضاً مدخل الشقق العلوية في المستويين الأخيرين. ومنه تنفتح أبواب العبور من برج إلى آخر. فالطابق الثامن ليس طابق سكن عادياً، بل هو الطابق الذي يربط كل ما عداه.
وبحسب كوهين وإلب، كان هذا المستوى يضم أيضاً غرف الخادمات، ولها شرفاتها: فبفضل الشرفات الواسعة لشقق العزوبية والشقق المزدوجة، تبقى عمارة الصايغ في نظرهما أروع العمارات ذات الشرفات في الدار البيضاء. أما الشقق المزدوجة الثلاث في القمة، التي سمّتها غازيت الكهرباء سنة 1935 «فيلات صغيرة»، فما زالت تُسمّى «الفيلات» في تعليق صورة من سنة 1993 نشرها المؤرخان.
هذا الاختيار يربط عمارة الصايغ بنسب أوروبي واضح: المعماري الباريسي هنري سوفاج، الذي ابتكر العمارة المتدرجة ووضع المغاسل المشتركة فوق الأسطح قبل ذلك. وقد أخذ بوايي هذا النموذج في ظروف أنسب مما في باريس: طلب كبير على الشقق ذات الشرفات، ونظام بناء أكثر سخاء، وقطع أرض أوسع. وفي الدار البيضاء تأخذ الفكرة بعداً خاصاً، فالغسيل والسماء والمدينة تتقاسم الطابق الأخير نفسه. وتتواصل حياة الأعالي هذه في صفحة فضاءات وأجواء.
ناطحة السحاب التي حلم بها بوايي
بطوابقها العشرة كانت عمارة الصايغ آنذاك من أعلى عمارات الدار البيضاء. جمع فيها بوايي أحبّ مراجعه إليه، بحجم لم تعرفه المدينة من قبل: فهي تنبثق من مشروعه لأحياء الميناء سنة 1930 ومن محاضرة ألقاها سنة 1929 وصف فيها ناطحة السحاب المثالية — على شكل صليب، بلا أفنية داخلية، مع مستودعات ومرائب في الطوابق السفلية، ومتاجر في الطابق الأرضي، ومكاتب ومساكن في الطوابق العليا.
وكان يرى أبعد من ذلك: ناطحة سحاب بضعف ارتفاع عمارة الصايغ، لو وجد زبوناً جريئاً بما يكفي، مجهزة بمجموعات من المصاعد ومصاعد الرسائل ومنافذ النفايات وغرف مبرّدة، ومغاسل ومجففات في أعاليها، ومطاعم وحضانات للأطفال. لم تُبنَ هذه الناطحة قط. أما منظور عمارة الصايغ فقد ورد في الألبوم الذي نشره بوايي سنة 1933، Casablanca, travaux d’architecture.
حوار الخطوط والمنحنيات
لغة المبنى قائمة على توازن مدروس بين صرامة الخطوط وليونة المنحنيات. وليست هذه الكتابة مجرد تمرين في الأسلوب. فقد كانت عند بوايي تعبيراً عن لقاء التقليد المغربي بالحداثة الغربية، على صورة الدار البيضاء نفسها.
«بين خطوط تصاميمي ومنحنيات مبانيّ، سعيت إلى نسج حوار متناغم بين التقليد المغربي والحداثة الغربية، مجسّداً بذلك الجسر الثقافي الذي تمثّله الدار البيضاء، مدينة التاريخ والمستقبل.»
— ماريوس بوايي
تفاصيل الآر ديكو
يلخّص بيير بيلفن، وكيل اتحاد الملاك (السانديك)، عمارة الصايغ بعبارة يوردها أيضاً ملفنا التقني: فهي تتميّز، على حدّ هذه العبارة، بـ«غياب الزخرفة في أدقّ تفاصيلها، لأنها في ذاتها عمل فني كامل». ويصف جان-لوي كوهين ومونيك إلب العقد نفسه وصفاً آخر: في ثلاثينيات القرن الماضي، بالدار البيضاء، صار العمل على الكتلة أهمّ من الزخرفة. لكن الصور تدفعنا إلى التدقيق. فالزخرفة لم تختفِ من عمارة الصايغ: بل دخلت إليها. هي في باب الشارع، وفي الأرضيات، وفي الدرابزينات، وفي الزجاج. يجمع هذا القسم ما نستطيع أن نعرضه، عائلةً عائلة. وهو ناقص عن قصد: لا نكتب هنا إلا ما تؤكده صورة أو منشور، وتاريخ عدد من هذه القطع غير ثابت، وستطول القائمة مع تقدّم عمليات الرصد.
الأبواب أولاً. ندخل من باب بمصراعين، إطاره وعوارضه من معدن مطليّ بالأسود: قضبان مسطّحة متفاوتة المواضع ترسم هندسة غير متناظرة، يعيدها حقل الفتحة العلوية فوق الباب. بعض الحقول مزوّد بزجاج مطبوع مخطّط، وبعضها الآخر بزجاج شفاف. ينفتح الباب بين دعامتين مكسوّتين ببلاط بلون المغرة، تحت لوح مظلّة.
أما النجارة في الداخل فأقلّ وضوحاً. في البسطات التي تُظهرها صورنا، أبواب الشقق من خشب داكن بحشوات عمودية؛ وألبوم الردهات والمصاعد يُظهرها في مكانها. وفي موضع آخر ينفتح باب داخل إطار من حجر رمادي منقّط — يصفه ألبوم أيام التراث 2025 بأنه «باب بإطار من الغرانيت» — على مصراع من خشب ملمّع بالورنيش، محزّز بأخاديد. وإلى أين يؤدّي هذا الباب، ومن أي حجر هو بالضبط، لا نعرف.
وعن الأقفال والقطع المعدنية لا نكاد نقول شيئاً. قطعتان فقط واضحتان، وكلتاهما على باب الشارع: يحمل كل مصراع مقبضاً طويلاً على شكل قضيب أنبوبي مثبّت على حاملين، ويستقبل القائم الأوسط للمصراع الأيمن أسطوانة قفل تحت صفيحة قفل صغيرة فاتحة بلون النحاس الأصفر. أما مقابض أبواب الشقق، ومغاليق النوافذ، والمفصّلات، وأرقام الأبواب، وصناديق البريد، فلم يُرصد أي منها عن قرب بعد. ونفضّل أن نكتب ذلك على أن نصف أشياء لم نرها.

الأرضيات هي أكثر العائلات توثيقاً بفارق كبير. في بسطة الطابق الخامس، غرانيتو ورديّ بنيّ مقطّع إلى أشكال شبه منحرفة بشرائط عريضة من غرانيتو أسود يحدّها خيط أصفر رفيع؛ ويحيط بالحقل شريط داكن عريض ووزرة مجوّفة الحافة. وعن قرب يتبيّن أن هذا الخيط ليس وصلة معدنية، بل صفّ من فسيفساء خزفية صغيرة صفراء؛ وفي مواضع أخرى تفصل بين الحقول الملوّنة صفوفٌ زرقاء ومغرة وعنّابية. وتتكرّر هذه الأرضية وخيوطها في بسطات جميع الطوابق وحول الدرج الدائري؛ ويعرضها ألبوم الغرانيتو عن قرب. ونجد المادة نفسها في مواضع أخرى من العمارة، مركّبة في كل مرة على نحو مختلف: في بهو دائري آخر، يتألف الغرانيتو من قطاعات فاتحة تفصلها شرائط داكنة وخطوط صفراء رفيعة، مع حلقة داكنة عريضة حول نواة الدرج؛ وعند أسفل الدرج الدائري، تحمل الأرضية الفاتحة حلقة وخيطاً مماثلين. وعند قاعدة نواة أحد الأدراج يمتد إفريز من بلاطات صغيرة على هيئة رقعة شطرنج، فوق وزرة رمادية. والغرانيتو ليس حكراً على الأجزاء المشتركة: فصور المتاهة الشعرية تُظهر شققاً بقيت أرضيتها سليمة.
أما بقية الأرضيات فمن مواد أخرى. يحتفظ المدخل بألواحه الكبيرة من الرخام المعرَّق؛ والممر المؤدي إلى الدرج أرضيته من رخام رمادي ووزرته السفلية من رخام بنّي. أصل هذا الرخام غير ثابت، ولن نستنتجه من المحاجر التي يذكرها المقال عن بُناة الدار البيضاء. وغرف الغسيل في الطابق الثامن مبلّطة ببلاط فخاريّ مربّع، موضوع بشكل مائل. وتحتفظ غرفة برقعة شطرنج سوداء وبيضاء موضوعة مائلة هي الأخرى، وفي عمقها نافذة مستديرة؛ ولا نعرف بعد في أي طابق هي. أما سطح التجفيف فمن خرسانة عارية؛ وعلى سطح آخر، الأرضية بلاطات مربّعة مغطاة بطلاء أحمر. وفي مواضع أخرى، مادة الأرضية الحمراء غير ثابتة.
أعمال الحديد في الأجزاء المشتركة صارمة، بلا زخرفة أو تكاد. درابزين الدرج الدائري: مسكة يد أنبوبية يرافقها قضيبان مسطّحان على قوائم من حديد مسطّح، وتدور في خط واحد على كامل الارتفاع. وفي أدراج الخدمة، قضيب بسيط من حديد مسطّح ينتهي طرفه بحلزون عند بداية القلبة، يظهر في صورة من ألبوم الأدراج. وتشذّ عن ذلك قطعتان: باب من حديد مطروق بزخارف نباتية متعرّجة، على خلفية من خشب داكن، ضمن إطار من الغرانيت، وشبكة ثانية بزخارف نباتية، مبيَّضة، على بسطة الدرج الدائري. ورسمهما النباتي لا يشبه شيئاً آخر في العمارة، وتاريخهما غير ثابت: قد يكونان إضافتين متأخرتين. وفي الطابق الأرضي، عند الزاوية، تُغلق واجهات المحلات بشبكات معدنية قابلة للطي ذات نقش زاويّ متتابع، تحت المظلّة الخرسانية.
وأخيراً الزجاج، ويظهر في ثلاثة أشكال متمايزة. في بئر الدرج الدائري نافذة زجاجية ملوّنة هندسية: مستطيلات من زجاج ملوّن وزجاج أبيض محبّب، محبوسة في شبكة سوداء، الحقول الكبيرة في الأعلى، وتركيب متضامّ من قضبان ومستطيلات صغيرة في الأسفل؛ وتردّ عليها، على مسافة قصيرة، نافذة زجاجية ثانية برتقالية وصفراء تحفّها شرائط من زجاج مخطّط أبيض. تاريخهما غير ثابت: ليس في الصور ما يسمح بالجزم بأنهما زجاج سنة 1932. أما قوالب الزجاج فلم تثبت إلا في موضع واحد، لكنه الأكثر إبهاراً: الفناء، وهو سقف المرآب تحت الأرض، ويُدخل الضوء عبر 192 قالباً زجاجياً، عُدّت على المجموعات الثلاث التي تُظهرها الصورة الجوية. وتحمل أقفاص الخدمة، أخيراً، أطراً فولاذية مزوّدة بشرائح زجاجية أفقية، يضاعفها في أسفلها سلك شبكي مضاف، وتُرى من الفناء كما من البسطات.
يبقى التتويج، وهو عنصر الزخرفة الوحيد الذي يُرى من بعيد، في الأعلى: حاجز سطح الأبراج وحواجز التراجعات العليا مثقوبة بصف منتظم من فتحات مربعة نافذة، تحت الإفريز مباشرة؛ وعلى السطوح، تعيد الحواجز المفرّغة الرسم نفسه بفتحات مستطيلة. وليس هذا زخرفاً مضافاً: فالحاجز مثقوب في كتلته نفسها. ولا نعرف مما هو مصنوع: فقد أظهرت ورشة 2026 طوباً مجوّفاً تحت طبقة الملاط، في أعالي الكتل. أما الرسم فمنتظم.
لا نعرف من نحت هذا الرخام، ولا من صبّ أرضيات الغرانيتو، ولا من طرق هذه الشبكات، ولا من ركّب هذا الزجاج: لا اسم مكتوب على الجدران، ولم تصلنا بعد أي فاتورة أو لوحة مقاول. صورة قديمة، أو ذكرى عائلية، أو تسعيرة يُعثر عليها: هذا ما ينقص هذا القسم كي يستمر في الكتابة.
الجرد الكامل — العائلات والمسار والمسرد — في صفحة التفصيل الآر ديكو؛ وتُفتح الألبومات، عائلةً عائلة، في ركن المعرض الذي يحمل الاسم نفسه.
عمارة حيّة
عمارة الصايغ ليست معلمة جامدة. إنها إقامة خاصة يسكنها الناس، وتبثّ فيها المعارض والتصوير السينمائي والتظاهرات الثقافية حياة متجددة. ولا تتاح الزيارة إلا في هذه المواعيد، مثل أيام التراث. ولاكتشاف المبنى بالصور — أبراجه وأروقته وواجهاته الزجاجية وشرفاته — زوروا معرض الصور.
المصدر: جان-لوي كوهين ومونيك إلب، «الدار البيضاء. أساطير ووجوه مغامرة عمرانية»، منشورات هازان، فصل «Des arts décoratifs à la modernité»؛ ماريوس بوايي، Casablanca, travaux d’architecture، 1933، نقلاً عن المؤلفَين.