هناك أماكن نزورها، وأماكن نتنفسها. وعمارة الصايغ من النوع الثاني. فخلف أبراجها الثلاثة المنتصبة في قلب الدار البيضاء منذ 1930 مبنى تخيّله ماريوس بوايي كأنه نزهة: فضاءات متعاقبة يتحاور فيها الضوء والهواء والمدينة بلا انقطاع.
ضوء الواجهات الزجاجية
كل شيء يبدأ بضوء النهار. فواجهات زجاجية كبيرة تضيء بيوت الدرج، وتترك الضوء الطبيعي يسري بحرية من طابق إلى طابق. ويتغيّر هذا الضوء مع ساعات اليوم: يقوى حيناً ويخفت حيناً آخر. ينساب على الدرابزينات، ويعانق منحنى، ويكشف تفصيلاً كنا نظن أننا نعرفه. فصعود الدرج في عمارة الصايغ عبور في عمود من نور.
وهذا الاهتمام بضوء النهار، يلتقطه المبنى ثم يوزّعه من جديد، من أبرز علامات العمارة. فبيوت الدرج هنا ليست ممرات فقط، بل فوانيس داخلية وأنفاس عمودية. وتشرح صفحة التصميم والهندسة المعمارية رسمها ومفرداتها.
شرفات مفتوحة على الدار البيضاء
وعلى الشرفات تتغيّر نبرة النزهة. فهي تنفتح على المدينة انفتاحاً واسعاً: الأسطح والشوارع وضوء الدار البيضاء الأبيض إلى مدّ البصر. وهنا لا تبقى العمارة مشهداً نتأمله، بل تصير شرفة ممدودة نحو الأفق، ومكاناً نأتي إليه ببساطة لنستنشق الهواء ونرقب المدينة وهي تحيا.
وهنا يكتمل معنى اسم هذه الصفحة. فبعد الفضاءات تأتي الأجواء: السماء والريح وهمهمة المدينة التي تصعد إلى الشرفات كأنها حضور أليف.
إيقاع الأبراج الثلاثة
ومن الشارع، تمنح الأبراج الثلاثة المجموعة إيقاعها. خطوط تصعد ومنحنيات تجيبها. هنا تحضر روح الآر ديكو كاملة، في تكوين متماسك جعل العمارة من المعالم التي يسهل تمييزها في أفق الدار البيضاء.
«بين خطوط تصاميمي ومنحنيات منشآتي، سعيت إلى نسج حوار متناغم بين التقاليد المغربية والحداثة الغربية، مجسداً بذلك الجسر الثقافي الذي تمثله الدار البيضاء، مدينة التاريخ والمستقبل.»
— ماريوس بوايي
مواصلة النزهة
تبقى عمارة الصايغ إقامة خاصة يسكنها الناس. ولا تُكتشف فضاءاتها من الداخل إلا في التظاهرات الثقافية، مثل أيام التراث. وتجد المعلومات العملية في صفحة الزيارات والموقع. وفي انتظار عبور العتبة، يواصل معرض الصور هذه النزهة صورة بعد صورة، من الواجهات الزجاجية إلى الشرفات، على مدار الساعات والفصول.