من هو موسيس الصايغ؟

تحمل العمارة اسمه منذ نحو قرن. حان الوقت لنتحدّث عن الرجل، وعن طلبه، وعن رهانه.

📑 المحتويات

    كلّ يوم يمرّ مئات الناس تحت الأبراج الثلاثة في شارع حسن الصغير. وكثيرون منهم يرفعون رؤوسهم. لكن لا أحد تقريباً يسأل من أين جاء الاسم المكتوب على واجهة العمارة. وهو اسم رجل، لا اسم مكان.

    اسمٌ وقرار

    تحمل عمارة الصايغ اسم صاحب مشروعها: موسيس الصايغ، وهو يهودي من شمال المغرب. في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي طلب من ماريوس بوايي، وكان من أبرز معماريي المدينة، أن يبني له على قطعة أرض في حيّ ناشئ بين الميناء وحيّ الأعمال.

    في تاريخ العمارة نتذكّر عادةً من رسم المبنى، وننسى من قرّر وموّل وتحمّل المخاطرة، ثم عاش بعد ذلك والنتيجة أمام عينيه. ولولا ذلك القرار لما كانت هناك أبراج ثلاثة، ولا واجهات زجاجية (verrières)، ولا شرفات. لكانت قطعة أرض أخرى في مدينة فيها آلاف مثلها.

    الأبراج المتدرجة لعمارة الصايغ وواجهاتها الزجاجية ومحلات الطابق الأرضي، في ثلاثينيات القرن العشرين
    «Immeuble Benassayag, avenue Poeymirau, à Casablanca (architecte M. Boyer)»، أي «عمارة بن الصايغ، شارع بويميرو، الدار البيضاء (المهندس المعماري السيد بوايي)». إدوار سارا، «المغرب سنة 1938»، الدار البيضاء، 1938. المصدر: entreprises-coloniales.fr.

    نشر دليل «المغرب سنة 1938»، الصادر بالدار البيضاء في تلك السنة، هذه الصورة تحت عنوان «Immeuble Benassayag»، أي «عمارة بن الصايغ»، في «شارع بويميرو»، وهو أول اسم حمله شارع حسن الصغير الحالي. غير أن الكتاب نفسه يكتب في قائمة أعمال بوايي المرافقة لها «immeuble Asayag»، ويذكر بين الفيلات فيلا «السيد موسيس ر. الصايغ في عين السبع» (de M. Moses R. Asayag, à Aïn-Seba)، وهي الفيلا ذات الفناء التي نتحدث عنها أدناه. كتابتان للاسم بالحروف اللاتينية في كتاب واحد، ولا واحدة منهما هي التي تحملها العمارة اليوم (Assayag): كان الاسم يُكتب آنذاك بحرف «s» واحد أو باثنين، مع «بن» أو من دونها.

    من أين جاء «يهود الشمال»

    عبارة «من شمال المغرب» تبدو تفصيلاً صغيراً، لكنها تقول الكثير. فالعائلات اليهودية في مدن الشمال، المطلّة على المتوسط والأطلسي، كانت على صلة قديمة بالتجارة الدولية. تتكلّم لغات عدّة، وتعرف الأعراف الأوروبية، وتلعب دور الوسيط بين التجار الأجانب والسوق المغربية.

    وتعزّز هذا الموقع سنة 1864، حين حصل موسيس مونتيفيوري لليهود المغاربة على صفة «المحمي». وقد سهّلت هذه الصفة تعاملهم التجاري مع القوى الأجنبية. ثم انفتحت الدار البيضاء على التجارة الكبرى، بعد 1836 وخاصة بعد معاهدة 1856. وكانت هذه العائلات ممّن يملك الإمكانات والشبكات والخبرة اللازمة للاستقرار فيها.

    وبعد نصف قرن لم يعد أحفادهم يكتفون بالتجارة في المدينة، بل صاروا يبنونها. ففي المدينة الجديدة صار الملاك اليهود من أكبر المجموعات العقارية، وحملت واجهات المركز أسماءهم: ليفي وبندايان، وبنداهان، وبن عزيراف، وبنزاكن، وكوريات، وأتدجي، وتوليدانو. والصايغ واحد منهم.

    ماذا كان يعني أن تطلب عمارة كهذه سنة 1930

    لكي نقيس جرأة هذا الطلب، يكفي أن نتذكّر ما كانت عليه الدار البيضاء قبل جيل واحد. فحوالي سنة 1900 وصف مقيم أوروبي مدينة مغلقة داخل أسوارها: نحو خمسة وعشرين ألف نسمة، خُمسهم من اليهود، وجالية أجنبية لا تكاد تبلغ خمسمائة نفس. ولا شارع معبّد واحد، ولا إنارة عمومية. كان الناس يتنقّلون ليلاً بفانوس، خوفاً من أن يتّخذهم الحارس هدفاً. ويروي الشاهد نفسه أنه تعثّر ذات مساء بجمل نائم في وسط الطريق.

    وبعد ثلاثين سنة تجاوزت المدينة نفسها مئة وستين ألف نسمة، وصارت تطلب سكناً عصرياً. حينها شجّعت السلطات على البناء في العلوّ، لربط حي الميناء بحيّ الأعمال. لكن السياسة العمومية وحدها لا تبني شيئاً. كان لا بدّ من ملاك مستعدين لتجميد أموال ضخمة في عمارة لا يعرف أحد إن كانت ستجد من يسكنها.

    هذا هو الرهان الذي خاضه موسيس الصايغ. وقد جاءت العمارة بمقياس لم يكن ليُسمح به في باريس في التاريخ نفسه، كما يلاحظ المؤرخون.

    عمارة أم بيان معماري؟

    ما ارتفع من الأرض سنة 1930 لم يكن عمارة استثمارية عادية (immeuble de rapport، أي عمارة سكنية للإيجار). فهي تضمّ عشرة مستويات فوق محلات الطابق الأرضي: ستة طوابق من الشقق، وطابقاً سابعاً للاستوديوهات، وطابقاً ثامناً لشقق العزوبية والمغاسل وغرف الخادمات، ثم مستويين من الشقق العلوية المزدوجة ذات الشرفات. وأجنحة المبنى الثلاثة ترتفع جنباً إلى جنب، تفصل بينها ممرات ضيّقة، ثم تلتقي في الطابق السابع. ولكلّ جناح بيت درج خاص، أي استقلاله.

    والبرنامج المعماري برنامج عمارة راقية مصمَّمة للحياة اليومية: واجهات زجاجية واسعة تضيء الممرات وتهوّيها طبيعياً، وشرفات فسيحة تنفتح على الشارع، ومهواة لرمي النفايات تخدم الطوابق، ومغاسل مشتركة (buanderies) في المستوى الثامن بين الأبراج. وهذا الترتيب مستوحى من عمارات هنري سوفاج في باريس.

    بعبارة أخرى: لم يطلب صاحب المشروع أكبر عدد ممكن من الأمتار المربعة بأفضل ثمن. طلب مبنى يمنح ساكنيه الضوء والهواء والإطلالة وخدمات جماعية. هو خيار اقتصادي، وهو أيضاً، على طريقته، إعلان عن المدينة التي نريدها.

    الطلب الآخر: فيلا بفناء

    ولم تتوقّف العلاقة بين صاحب المشروع والمعماري عند هذا الحدّ. فقد بنى بوايي لموسيس الصايغ أيضاً، ولاستعماله الشخصي، فيلا ذات فناء على الطراز المغربي الجديد.

    كانت هذه الفيلا في عين السبع، كما يذكر دليل سنة 1938. والأرجح أنها المقصودة في إعلان صغير نشرته جريدة لا فيجي ماروكين في 5 دجنبر 1934، يحدّد موقعها بدقة على طريق الرباط: «مطلوب بستاني أوروبي متاح يومين في الأسبوع، فيلا الصايغ، عين السبع، طريق الرباط، الكيلومتر 6,5» (Villa Assayag, Ain-Seba, route de Rabat, km 6,500).

    إعلان صغير في جريدة لا فيجي ماروكين، 5 دجنبر 1934: مطلوب بستاني، «Villa Assayag, Ain-Seba, route de Rabat, km 6,500»
    لا فيجي ماروكين، 5 دجنبر 1934، ص 8، ركن الإعلانات الصغيرة. المصدر: gallica.bnf.fr / المكتبة الوطنية الفرنسية.

    والفرق بين البنايتين يستحقّ الوقوف عنده. فالعمارة عمودية ومجرّدة، تتّجه نحو المدينة والمستقبل. أما الفيلا فمنظَّمة حول فناء، على المبدأ نفسه الذي يقوم عليه البيت المغربي التقليدي، حيث تتّجه الحياة إلى الداخل. والرجل نفسه طلب الاثنتين، من المعماري نفسه، في السنوات نفسها.

    وكان بوايي يتقن الأسلوبين معاً. فله في الحقبة نفسها قصور حضرية خاصة (hôtels particuliers) يتصدّرها الحجر المنحوت والجبس المنقوش. أما أن يختار صاحب المشروع لنفسه بيتاً بفناء، ويمنح المدينة في الوقت نفسه عمارة حديثة بلا تردّد، فأمر يقول الكثير عن جيل عاش الثقافتين دون أن يجد بينهما تناقضاً.

    ما لا نزال نجهله

    ولنقلها بوضوح: نعرف اليوم عن المبنى أكثر ممّا نعرف عن الرجل. تذكره أبحاث تاريخ العمارة بوصفه صاحب المشروع، وواحداً من أبناء تلك البورجوازية اليهودية المغربية القادمة من الشمال. أما سيرته — التواريخ والعائلة والأنشطة والمسار بعد 1930 — فلا تزال في حاجة إلى توثيق.

    ونفضّل أن نقولها هكذا بدل ملء الفراغات بالافتراضات. فعمارة عمرها قرن تستحقّ أفضل من أسطورة مريحة.

    إذا كان عندكم أرشيف أو صور فوتوغرافية أو عقود موثّقة أو قصاصات صحفية أو ذكريات عائلية عن موسيس الصايغ أو أحفاده أو أوائل سكان العمارة، فاكتبوا إلينا. هذه الصفحة مفتوحة للإضافة، وكلّ وثيقة تدخل الملف لها قيمتها.

    أسئلة شائعة

    من الذي تحمل عمارة الصايغ اسمه؟

    يحمل المبنى اسم صاحب مشروعه موسيس الصايغ، وهو يهودي من شمال المغرب. وقد كلّف ببنائه المعماري ماريوس بوايي.

    متى بُنيت العمارة؟

    سنة 1930، في شارع حسن الصغير بالدار البيضاء. وكان يُسمّى آنذاك جادّة بويميرو (avenue Poeymirau).

    كم طابقاً تضمّ العمارة؟

    عشرة مستويات فوق محلات الطابق الأرضي: ستة طوابق من الشقق، وطابق سابع للاستوديوهات، وطابق ثامن فيه شقتا عزوبية والمغاسل وغرف الخادمات ومدخل الشقق العلوية وأبواب التواصل بين الأبراج، ثم مستويان من الشقق العلوية المزدوجة ذات الشرفات. وتلتقي أجنحة المبنى الثلاثة في الطابق السابع.

    هل بنى ماريوس بوايي شيئاً آخر لموسيس الصايغ؟

    نعم: فيلا بفناء على الطراز المغربي الجديد، لاستعمال صاحب المشروع الشخصي.

    هل يمكن زيارة العمارة؟

    هي إقامة خاصة مأهولة. وتفتح أبوابها للجمهور في فعاليات ثقافية، مثل أيام التراث. وننشر التواريخ في أخبارنا.

    المصادر: جان-لوي كوهين، «الدار البيضاء اليهودية: عمارة عامة وخاصة 1912-1960»، مجلة «كويست» لقضايا التاريخ اليهودي المعاصر (مؤسسة CDEC)؛ جان-لوي كوهين ومونيك إيلب، «الدار البيضاء. أساطير وشخصيات مغامرة حضرية»، منشورات هازان؛ إدوار سارا، «المغرب سنة 1938»، الدار البيضاء، 1938.

    روابط مفيدة

    Alex Bego, L'Immeuble Assayag · Casablanca.

    Photos © 2026 Alex Bego / Immeuble Assayag. جميع الصور من إنجازنا ما لم يُذكر خلاف ذلك. الاستعمال بإذن كتابي — اتصلوا بنا.

    هل تودّ اكتشاف الإقامة؟ زيارات خلال الفعاليات الثقافية · الأخبار والمواعيد في صفحاتنا.
    هل أعجبك هذا المقال؟

    🔗 اقرأ أيضاً

    💬 التعليقات

    بدون HTML أو روابط. التعليقات تخضع للمراجعة.

    لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!