لماذا ثلاثة أبراج؟ الدار البيضاء التي أرادت أن تعلو

سياسة عمرانية، وأرض صعبة، ومهندس معماري: كيف تشكّل قوام العمارة.

📑 المحتويات

    يرى كثيرون في عمارة الصايغ ابتكارًا شكليًّا خالصًا: ثلاثة أبراج تقف جنبًا إلى جنب، وقوام يلفت النظر في شارع حسن الصغير. لكنّ القصة أوسع من ذلك. فهذا الشكل جواب مهندس معماري عن سؤال طرحته عليه مدينته.

    مدينة تنمو بلا نظام

    لفهم هذا المشروع يكفي أن ننظر إلى السرعة التي كانت تتغيّر بها الدار البيضاء. نحو 1850 لم يكن فيها سوى خمسمائة نسمة تقريبًا. ثم صاروا ألفًا في 1857، وتسعة آلاف في 1885، وثلاثة عشر ألفًا في 1892، وواحدًا وعشرين ألفًا في 1900، وخمسة وعشرين ألفًا على الأقلّ في 1907. بعد ذلك صار التسارع مذهلًا: مائة ألف أوروبي في 1922، ومائتان وخمسون ألفًا في 1936.

    مدينة يتضاعف سكّانها ثم يتثلّثون لا تستطيع أن تتمدّد أفقيًّا بلا نهاية. فالمسافات تطول، والشبكات تكلّف كثيرًا، والعقار في المركز يقلّ ويشتدّ التنافس عليه. لذلك كان عليها أن تتعلّم اتجاهًا آخر: الاتجاه العمودي.

    ربط الميناء بحيّ الأعمال

    في عشرينيات القرن الماضي كان للسلطات هدف واضح: ربط حيّ الميناء بحيّ الأعمال في نسيج واحد متّصل. فبين الحيّين منطقة ما تزال قيد التشكّل، لا هي مينائية تمامًا ولا هي مركزية بعد.

    لذلك شجّع إريك لابون، الأمين العام للأشغال العمومية، المعماريين والمقاولين على البناء في العلوّ. ولم تكن الفكرة سهلة في ذلك الزمن. فالبناء المرتفع يفرض إعادة التفكير في إنارة الطوابق، وتهوية الممرّات، ورفع الماء، وتصريف النفايات؛ أي في المنظومة التقنية كلّها لعمارة سكنية.

    لكنّ السياسة العمومية وحدها لا تبني شيئًا. فلا بدّ من مالك يقبل أن يجمّد أموالًا ضخمة في مبنى لا أحد يضمن أن يجد له شاغلين. وهذا المالك هو موسيس الصايغ.

    جواب بوايي: أبراج بأروقة مقنطرة

    أمام هذا الطلب استبعد ماريوس بوايي الحلّ الأسهل: كتلة واحدة ضخمة تشغل البقعة كلّها. وفكّر في شيء آخر، أبراج بأروقة مقنطرة تجتمع في مركّب واحد.

    ثلاثة أجنحة من المبنى تقف جنبًا إلى جنب، وتفصل بينها ممرّات ضيّقة. وتبقى منفصلة حتى الطابق السابع، وهناك تلتقي وتصير كتلة واحدة. وتضمّ العمارة عشرة مستويات: سبعة طوابق من الشقق الاعتيادية، وطابقًا ثامنًا للخدمات، ثم مستويين من شقق السطح المزدوجة (دوبلكس).

    وهذا الترتيب بارع لثلاثة أسباب على الأقلّ. أوّلًا، يمنح المركّب حضورًا في المدينة لا تبلغه كتلة مسطّحة؛ فمن بعيد نرى ثلاثة خطوط عمودية، لا كتلة صمّاء. ثانيًا، تُدخل الممرّات بين الأجنحة الضوء والهواء، بينما لا تقدّم العمارة المصمتة سوى أفنية معتمة. ثالثًا، لكلّ جناح بيت درج خاصّ به، أي استقلاله: فالمساكن معزولة عن الأجزاء المشتركة من ثلاث جهات.

    ما الذي يغيّره الارتفاع في حياة الساكن

    لا فائدة من الصعود إن لم يكن وراءه مكسب، والمكسب هنا واضح. فالواجهات الزجاجية الكبرى (verrières) تُنير الممرّات العمودية وتهوّيها طبيعيًّا، وهذه نقطة حاسمة في عمارة من عشرة مستويات. وعلى جهة الشارع شرفات واسعة أمام المساكن. وكلّما ارتفع البناء تدرّجت هذه الشرفات على ثلاثة مستويات متتالية عند الطابق السابع، ويتوّج كلّ واحدة منها مسكن مستقلّ تبلغ مساحته نحو تسعين مترًا مربّعًا.

    وفي المستوى الثامن تتّسع أشرطة النوافذ وتنفتح على المغاسل المشتركة (buanderies) المحشورة بين الأبراج. وتخدم الطوابقَ أيضًا مِهواة لرمي النفايات. فالارتفاع هنا ليس وسيلة لإسكان عدد أكبر من الناس فقط، بل هو في خدمة الراحة اليومية.

    مدينة تتعلّم الاتجاه العمودي

    ولم تكن عمارة الصايغ وحدها في هذه الحركة. فعلى بُعد شوارع قليلة بنى بيير جابان عمارة موريتي-ميلوني بين 1934 و1935. وظلّت هذه العمارة، بطوابقها الأحد عشر، تهيمن طويلًا على ساحتها وتُبشّر بموجة العمارات الشاهقة عند مدخل حيّ الأعمال. وفي 1952 دفع جاك غويون هذا التمرين إلى ستة عشر مستوى بـ«فيلا باكي» وشرفاتها المتموّجة.

    ومع ذلك تبقى عمارة الصايغ متفرّدة بين هذه المباني. فهي لا تكتفي بالصعود، بل تؤلّف. غيرها يكدّس طوابق متماثلة، أمّا هي فتفصل ثلاث كتل، وتترك بينها فراغات، وترسم لكلّ واحدة تاجًا. إنّه اختلاف في المنهج، وما زال يُرى اليوم من الشارع.

    مقياس غير مسبوق

    ويبقى أن نتذكّر ماذا كان يعني برنامج كهذا في 1930. يلاحظ مؤرّخو العمارة أنّ المركّب بلغ مقياسًا ما كان ليُرخَّص به في باريس في التاريخ نفسه. فالمدينة الجديدة بالدار البيضاء كانت تمنح المعماريين حرية تنظيمية لم تعد العواصم الأوروبية تعرفها. وأنتجت هذه الحرية، في عقد واحد، واحدًا من أكثر مجاميع طراز الآر ديكو كثافة في العالم.

    وتجدون تفصيل المفردات المعمارية لهذا المركّب في صفحة التصميم والعمارة.

    أسئلة شائعة

    لماذا للعمارة ثلاثة أبراج بدل كتلة واحدة؟

    لإدخال الضوء والهواء بين أجنحة المبنى، ولمنح كلّ جناح بيت درج خاصًّا به، أي استقلاله. وكذلك لتقديم قوام عمودي إلى الشارع بدل كتلة مصمتة.

    في أيّ طابق تلتقي الأجنحة الثلاثة؟

    في الطابق السابع. وفوقه يصير المركّب كتلة واحدة، بشرفات متدرّجة وشقق تتوّج البناء.

    من شجّع على البناء في العلوّ بالدار البيضاء؟

    إريك لابون، الأمين العام للأشغال العمومية، في عشرينيات القرن الماضي، ليربط حيّ الميناء بحيّ الأعمال.

    هل كانت عمارة الصايغ أعلى مبنى في المدينة؟

    لا. فعمارة موريتي-ميلوني (1934-1935) تبلغ أحد عشر طابقًا، و«فيلا باكي» (1952) ستة عشر طابقًا. وتتميّز عمارة الصايغ بتأليف أبراجها الثلاثة أكثر ممّا تتميّز بارتفاعها.

    المصدر: جان-لوي كوهين ومونيك إيلب، «الدار البيضاء. أساطير ووجوه مغامرة عمرانية»، منشورات هازان.

    روابط مفيدة

    Alex Bego, L'Immeuble Assayag · Casablanca.

    Photos © 2026 Alex Bego / Immeuble Assayag. جميع الصور من إنجازنا ما لم يُذكر خلاف ذلك. الاستعمال بإذن كتابي — اتصلوا بنا.

    هل تودّ اكتشاف الإقامة؟ زيارات خلال الفعاليات الثقافية · الأخبار والمواعيد في صفحاتنا.
    هل أعجبك هذا المقال؟

    🔗 اقرأ أيضاً

    💬 Commentaires

    بدون HTML أو روابط. التعليقات تخضع للمراجعة.

    لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!