مقدمة: فنان متعدّد الاختصاصات يُصغي إلى زمنه
حمزة بوسدرة فنان متعدّد الاختصاصات ومخرج ومبدع في مجال الإشهار. وهو يدعونا في معرضه بوسبير إلى التجوّل في فضاء حضري يوشك أن يختفي. والمعرض يقام في إقامة الصايغ بقلب الدار البيضاء، ولا يقف عند حدود الفن البصري: فهو حوار بين الذاكرة الجماعية والتآكل التاريخي والتأمّل الذاتي.
يشتغل حمزة في ميدان الاتصال البصري، ويجمع بين مهاراته الإشهارية وحساسية فنية. فتأتي أعماله تسائل المتفرّج بقدر ما تسائل الفضاء الذي تسكنه.
جماليات الشظية: التقاط ذاكرة هاربة
يستكشف معرض بوسبير بقايا حيّ من أشهر أحياء الدار البيضاء. كان هذا الحيّ نابضًا بالحياة في ما مضى، وصار اليوم فريسة محو بطيء. ويشتغل الفنان بصور مطبوعة على مواد شفافة، وبمرايا مكسورة، وبألاعيب الضوء. وهكذا يبني جمالية للشظية، يصير فيها كلّ عنصر بصري صورةً للتفكّك.
وتلخّص قطعة المعرض الرئيسية هذه الفكرة، وهي صورة فوتوغرافية خلف زجاج مكسور. فهي تدعو المتفرّج إلى تأمّل توازن هشّ بين الصمود والاستسلام. والزجاج المتشظّي حاجز ونافذة في الوقت نفسه، يكشف ازدواجية حيّ معلّق بين الماضي والحاضر، وبين الدمار والبقاء.
إقامة الصايغ: إطارٌ رمزي
واختيار إقامة الصايغ يزيد هذا المعرض ثقلًا رمزيًّا، فهي مبنى من أيقونات الآر ديكو في الدار البيضاء. وهذا المكان شاهد على حقبة تحديث ونفوذ استعماري. وهو اليوم أرض للحوار بين التاريخ المعماري للمدينة ومعاصرة الأعمال المعروضة.
وتقف الجمالية الخام لأطلال بوسبير الحديثة إلى جانب أناقة الآر ديكو العابرة للزمن، فيظهر التوتر بين الإرث والتحوّل. وهكذا يمدّ حمزة جسرًا بين الماضي والحاضر، ويدعونا إلى التفكير في التحوّلات الحضرية والاجتماعية.
التزام أخلاقي وفني
في نهج حمزة بوسدرة أخلاقيات فنية عميقة. فهو لا يُضفي على الانحدار مسحة رومانسية ولا يصمه بالوصم، بل يراقب الأطلال المعاصرة بحياد يكاد يكون توثيقيًّا. أعماله ليست شكوى بل شهادات. وهي تدعو المتفرّج إلى ملء فراغات الحكاية التي يتركها صمت الأمكنة.
واستعمال مواد كالمرايا المكسورة والأسطح العاكسة يخرج بالعمل من إطار الصورة الفوتوغرافية وحدها. فتصير هذه الأشياء أدوات انعكاس، بالمعنى الحرفي والمجازي، تتيح للمتفرّج أن يرى نفسه في شظايا فضاء يتحوّل.
خاتمة: صوتٌ للمنسيّ
بمعرض بوسبير يؤكّد حمزة بوسدرة أنه صوت أساسي في المشهد الفني المغربي المعاصر. فهو يجدّد الطريقة التي يلتقط بها الفن ما يزول من الأمكنة والذكريات المتحوّلة.
ومعرضه شعري وتحليلي في الوقت نفسه، ويقدّم تجربة غامرة وتأمّلية، يواجه فيها المتفرّج فكرة الفقد والتحوّل. ونحن في زمن تتغيّر فيه المدن بسرعة، وعلى حساب تاريخها في الغالب. لذلك يذكّرنا حمزة بأنّ في الأطلال دائمًا آثارًا تُقرأ وذاكرات تستحقّ التكريم.
هذا المعرض دعوة إلى النظر أبعد من المظاهر، وإلى فتح حوار مع الأمكنة التي نسكنها ثم نهجرها. بوسبير ليس مجرّد معرض. إنه فعل ذاكرة، وتأمّل في الزائل، وتحية للزمن الذي يمضي.
💬 Commentaires
لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!