يوم الجمعة 5 يناير 1951، بعد الثامنة صباحاً بقليل، سمع سكان الرقم 14، جادة بويميرو انفجاراً عنيفاً في الطابق الخامس. كان مصدره شقة السيد مارتينيز (Martinez)، الضابط المتقاعد. لم يكن اعتداءً، بل حادثاً منزلياً من النوع الذي كانت صحافة ذلك الزمن تسميه «تهوّراً»: كان أحدهم ينظّف ثوباً بالبنزين. أصيب ثلاثة أشخاص بحروق بليغة، وتوفيت إحداهم، الخادمة الشابة فاني أمزلاغ (Fanny Amzallag)، متأثرة بحروقها بعد ثلاثة أيام. كانت في الثامنة عشرة من عمرها.
ذلك الصباح
في الشقة كانوا ينظّفون تنّورة بالبنزين، كما كانت تفعل كثير من ربّات البيوت آنذاك في منازلهن. كان الوعاء مفتوحاً، ولم يكن فيه سوى لتر واحد من البنزين. انتشرت الأبخرة في الغرفة، ولامست لهباً أو سخّاناً، فاشتعلت وانفجر الوعاء. علق ثلاثة أشخاص في النار: السيدة ماري مارتينيز (Marie Martinez)، ثمانية وأربعون عاماً، وابنها إميل شيرير (Émile Scherrer)، ثلاثون عاماً، وفاني أمزلاغ. وبعبارة Le Petit Marocain: «لم تعد ثيابهم سوى شعلة».
النجدة
كان السيد مارتينيز في الغرفة المجاورة مع ابنه الصغير. فهرع وأخمد اللهب بالأغطية، وأصيب هو نفسه بحروق بليغة في يديه ووجهه. وجاء جار، هو السيد فرناند ماير (Fernand Meyer)، لمساعدته. وأُطفئت النار قبل وصول رجال الإطفاء. نُقلت السيدة مارتينيز وابنها إلى مصحة روزفلت، حيث استغرقت ضماداتهما أكثر من ست ساعات. أما فاني أمزلاغ، وهي الأشد إصابة، فنُقلت إلى مستشفى جول موران (Jules-Mauran).

فاني أمزلاغ، ثمانية عشر عاماً
لا تقول الجرائد عنها إلا القليل. تسمّيها فاني أمزلاغ — ومرة أمسلاغ (Amsallag) —، وتقدّمها على أنها «شابة يهودية مغربية»، وتذكر عنوانها في شارع الرماة الثاني (boulevard du 2e-Tirailleurs). لم تكن إذن تسكن عمارة الصايغ، بل كانت تأتيها للعمل كل يوم. ويوم الاثنين 8 يناير، نحو الحادية عشرة ليلاً، فارقت الحياة متأثرة بحروقها في مستشفى جول موران. وأعلنت La Vigie marocaine الخبر في اليوم التالي تحت عنوان «الخادمة الشابة استسلمت لحروقها».
ما كتبته الجرائد
خمسة مقالات في أربع جرائد بيضاوية تروي الحادث، وهي لا تتفق على كل شيء. إليكم إياها بترتيب صدورها.
La Vigie marocaine، 5 يناير 1951، الصفحة 4
نشرت اليومية المسائية الخبر في اليوم نفسه: «وعاء بنزين ينفجر في الطابق الثالث من عمارة صباح اليوم بجادة بويميرو — ثلاثة أشخاص في حالة خطيرة». العنوان يقول الطابق الثالث، والنص يقول الخامس. ولم يكن معروفاً بعد من كان يمسك الوعاء: «السيدة مارتينيز أم الخادمة… لا أحد يعرف بعد». وبحسب الجريدة وقع الحادث في الحمّام، وحمل تيار هواء الأبخرة نحو مدفأة كهربائية. اقرأ الصفحة على Gallica.
L’Écho du Maroc، 6 يناير 1951، الصفحة 2
«ثلاثة أشخاص في حالة خطيرة بعد انفجار وعاء بنزين». تتبنّى الجريدة فرضية المدفأة، وتذكر أسماء الضحايا، وتشير إلى ست ساعات من العلاج في مصحة روزفلت. اقرأ الصفحة على Gallica.
Le Petit Marocain، 6 يناير 1951، الصفحة 5
«البنزين قرب الموقد — انفجار يخلّف 3 ضحايا». هنا كان الوعاء على طاولة قرب موقد «بوتاغاز» مشتعل، وتتحدث الجريدة عن «تهوّر خطير». وهي التي تذكر اسم الجار، السيد فرناند ماير، وتختم: «إصابات المرأتين تبعث على أشد القلق». اقرأ الصفحة على Gallica.
Maroc-Presse، 6 يناير 1951، الصفحة 4
«قارورة بنزين تنفجر — ثلاث ضحايا، إحداها في حالة ميؤوس منها». تحدّد الجريدة وقت الحادث نحو الثامنة والنصف، وتضع «الشابة فاني» قرب موقد غاز. أصيبت الأم والابن بحروق جدية، لكنها كانت الأشد إصابة. اقرأ الصفحة على Gallica.
La Vigie marocaine، 9 يناير 1951، الصفحة 3
«انفجار جادة بويميرو — الخادمة الشابة استسلمت لحروقها». أعلنت الجريدة وفاة فاني أمزلاغ، وأصرّت على أن المدفأة كانت «على بعد أكثر من 4 أمتار» من الوعاء المفتوح، واستخلصت العبرة: «نرى العواقب الرهيبة لتهوّر ترتكبه ربّات البيوت كثيراً». اقرأ الصفحة على Gallica.
أربع جرائد وأربع روايات
إذا وُضعت المقالات جنباً إلى جنب، اختلفت في كل شيء تقريباً عدا المأساة نفسها. الطابق: الثالث في عنوان، والخامس في كل ما عداه. مصدر اللهب: مدفأة كهربائية عند La Vigie وL’Écho، وموقد غاز عند Le Petit Marocain وMaroc-Presse. من كان ينظّف: ربّة البيت أم الخادمة، لم يحسم أحد. وأخيراً تتغيّر خطورة الحروق من جريدة إلى أخرى. وحدها الأسماء والعنوان والمآل متطابقة في كل مكان.
ما لا نعرفه
لا نعرف في أي شقة من الطابق الخامس كانت تسكن عائلة مارتينيز، ولا إن كانت قد بقيت فيها بعد الحادث. ولا نعرف عن فاني أمزلاغ أكثر من هذه السطور القليلة: لا أسماء والديها ولا مكان دفنها. إن كنتم من عائلتها، أو من عائلة مارتينيز أو فرناند ماير، أو سمعتم عن ذلك الصباح من سنة 1951، فاكتبوا لنا لنكمل هذه الرواية. وبعد سنتين ضرب العمارة انفجار آخر، إجرامي هذه المرة: قنبلة شتنبر 1953.
المصادر: La Vigie marocaine، 5 و9 يناير 1951؛ L’Écho du Maroc وLe Petit Marocain وMaroc-Presse، 6 يناير 1951 (Gallica، المكتبة الوطنية الفرنسية؛ الروابط أعلاه). الاقتباسات منقولة عن التعرف الآلي على النص، ويجب التحقق منها على الصورة. الأشخاص مذكورون بأسمائهم كما وردت في صحافة ذلك الوقت.
💬 التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!