يقولها جان لوي كوهين في جملة واحدة: بطوابقها العشرة «ما كانت باريس لتقبل» عمارة الصايغ في ذلك الوقت، لأن قواعد التعمير بالدار البيضاء كانت «أكثر تساهلاً بكثير مما هي في فرنسا». هذا صحيح، لكنه لا يفسّر شيئاً. فالمدينة لا تدع عمارة ترتفع لأنها متساهلة، بل تدعها ترتفع لأن قاعدة دقيقة تسمح بذلك.
وهذه القاعدة موجودة. اسمها الغاباري، وتسع مادة واحدة من نظام الطرق والبناء البلدي، وحين تُقرأ يتحول شكل العمارة من لفتة فنان إلى برهان.
الارتفاع يُقاس بعرض الشارع
المبدأ بسيط وقديم قِدم التعمير الفرنسي: لا يُبنى عالياً على زقاق ضيق. فالارتفاع المسموح به في الواجهة يتوقف على المسافة الفاصلة بين ضفتي الطريق.
«يُحدَّد ارتفاع الواجهة بخط عمودي يُرفع عند خط بناء الطريق العمومي، أو عند حدّ الارتفاق إن وُجد، يقطعه خط مائل بزاوية 50 درجة على الأفق، ينطلق من خط البناء المقابل، على مستوى أفقي يقع على ارتفاع 1,00 متر فوق مستوى الرصيف، مأخوذاً عند الخط العمودي للعمارة المعنية.»
المادة 25 من النظام العام للطرق والبناء بالدار البيضاء. الترجمة عن الفرنسية من عندنا.
وبعبارة أوضح: ارفعوا عموداً عند حدّ أرضكم، ثم ارسموا من خط البناء المقابل، على ارتفاع متر فوق الرصيف، خطاً بزاوية 50 درجة. وحيث يقطع عمودكم يجب أن يتوقف جداركم. شارع ضيق يعني جداراً منخفضاً، وشارع واسع يعني جداراً عالياً.
وفي الجملة كلمتان تستحقان الوقوف. الأولى الارتفاق: فالنظام يقبل صراحة أن يكون خط الانطلاق حدَّ ارتفاق لا حدَّ طريق عمومي. والثانية خط البناء المقابل: فكل ما يُبعد الجهة المقابلة يرفع الجدار.
ما فعله بوايي: صنع العرض بنفسه
ثم تأتي الفقرة الثالثة من المادة نفسها، وهي التي تغيّر كل شيء:
«حين يُشيَّد بناء متراجعاً طوعاً عن خط البناء، فإن عرض الطريق الذي يُعتمد في تطبيق الغاباري هو العرض الفعلي للطريق العمومي مضافاً إليه عرض التراجع.»
أي أن من يُرجع واجهته إلى الوراء يُكافأ بالارتفاع. فالمتر الذي يتنازل عنه للفراغ يُردّ إليه علواً.
فماذا فعل بوايي؟ تلخّصه غازيت الكهرباء في يناير 1935 بسطر واحد، وهي تحسب أنها تتحدث عن الصحة فقط:
«السيد بوايي، عدو الأفنية المظلمة، قطع عمارته عمداً إلى قسمين بزنقة واسعة.»
وكلمة عمداً هي الكلمة نفسها التي يستعملها النظام. لم يفتح بوايي عمارته للضوء فحسب، بل فتح لنفسه حقاً في البناء. فالزنقة الداخلية في الصايغ قرار صحي وعملية غاباري في آن واحد.
الشرفات المتدرجة ليست زخرفة
يبقى السؤال الأظهر: لماذا تضيق العمارة كلما ارتفعت بدل أن تتوقف دفعة واحدة؟ تجيب الفقرة الثانية:
«فوق الارتفاع المقرر عند خط البناء، يمكن تشييد طوابق متراجعة إذا اندرجت ضمن زاوية يحددها خط مائل بـ45 درجة متصل بقمة ارتفاع الواجهة المسموح به.»
هنا المفتاح. يتوقف جدار الواجهة عند ارتفاع الغاباري، لكن فوقه ينفتح مخروط ثانٍ بزاوية 45 درجة، يمكن مواصلة البناء داخله شريطة التراجع في كل مستوى.
شرفات الصايغ المتدرجة، والأبراج الثلاثة الناتئة، و«الفيلات الصغيرة» في الأعلى: كل ذلك يسكن هذا المخروط تحديداً. وما يُحسب اختياراً جمالياً من طراز الآر ديكو هو أولاً شكل قيدٍ، تبعه معماري فهم كيف يستثمره.
بل يضيف النظام مكافأة للأروقة: «زيادة قدرها 1,50 متر للبنايات التي تُرفع على الطرق ذات الأروقة». وعمارة الصايغ عمارة ذات أروقة. متر ونصف إضافي.
وماذا عن الزاوية؟
تقوم العمارة على زاوية: زنقة علال بن عبد الله وشارع حسن الصغير. والنظام يتوقع هذه الحالة:
«كل بناية تقع على زاوية طريقين عموميين مختلفي العرض يمكن، استثناءً، أن تُرفع من جهة الطريق الأضيق إلى الارتفاع المسموح به للطريق الأوسع.»
المادة 27.
فالارتفاع المكتسب على الطريق الواسع ينتقل إذن، على مسافة معينة، إلى الطريق الضيق. اجمعوا الآن: طريق واسع، وتراجع طوعي يزيده اتساعاً، وزاوية تنقل الفائدة، وأروقة تضيف متراً ونصفاً، ومخروط بزاوية 45 درجة لتكديس الباقي على شكل مدرجات. لم تلتف عمارة الصايغ على القاعدة، بل قرأتها إلى آخرها.
ما يبقى للتحقق
لا بد من ذكر حدود هذا البرهان، فهي حقيقية.
- نسخة النص. نستشهد بالقرار البلدي الدائم المؤرخ في 2 يناير 1952 (مداولة اللجنة البلدية ليوم 24 يوليوز 1951). وهو يلغي ويعوّض، على الخصوص، القرارين البلديين ليوم فاتح أكتوبر 1925 و25 فبراير 1931، اللذين كانا ساريين زمن الورش. ولم نعثر على هذين النصين: فهما غير منشورين في الجريدة الرسمية لعهد الحماية، وقرار 1931 كان يرقّم مواده بطريقة مختلفة. أما المقتطفات المنشورة من نظام الطرق بالدار البيضاء المؤرخ في 26 ماي 1920، فتتضمن من قبلُ قاعدة البنايات الواقعة على زاوية طريقين، وزيادة 1,50 متر على الطرق ذات الأروقة، والارتفاع الذي تكسبه الواجهة المتراجعة، والطوابق المتراجعة بزاوية 45 درجة؛ لكن ارتفاع الواجهة فيها لا يتجاوز عرض الشارع — وهو ما يعادل خطاً مائلاً بزاوية 45 درجة — ولا أثر فيها لخط مائل بزاوية 50 درجة. فالزاوية والأرقام المعمول بها سنة 1930 ما تزال إذن بحاجة إلى إثبات.
- أنظمة الأحياء. تبدأ المادة 25 بتحفظ: «ما لم تنص على خلاف ذلك أنظمة الأحياء أو مصالح التنسيق المعماري». وقد يكون نظام خاص بهذه البقعة قد غيّر كل شيء، وهو ليس بحوزتنا.
- الفناء بوصفه ارتفاقاً. يتداول سكان العمارة تفسيراً مفاده أن الفناء يشكل ارتفاق مرور، وأنه هو ما سمح بتجاوز الارتفاع المسموح به من جهة الساحة. والآلية منسجمة مع النص، فالمادة 25 تذكر الارتفاق، لكننا لم نر أي وثيقة تثبت ذلك بخصوص هذه الأرض.
- عبارة «R+4» الشهيرة. يُستشهد أحياناً بتحديد الارتفاع في أربعة طوابق فوق الطابق الأرضي. وقد كان حدّ قريب منه قائماً قبل الورش: فنظام الدار البيضاء لسنة 1923، كما يلخّصه القانوني بيليار سنة 1924، كان يحدّ الواجهات في أربعة طوابق، مع السماح بطابق خامس متراجعاً أو في العلّية، دون أن يوضح هل يُحتسب الطابق الأرضي. ولا نعلم هل بقي هذا الحدّ قائماً في قراري 1925 و1931.
وما يحسم المسألة: رخصة البناء ونظام الحي في الأرشيف البلدي بالدار البيضاء، وقرارا 1925 و1931 بصيغتهما الأصلية. فإن كان لديكم وصول إلى أحدها، راسلونا.
المصادر: القرار البلدي الدائم المتضمن النظام العام للطرق والبناء بالدار البيضاء، قرار 2 يناير 1952 (مداولة اللجنة البلدية ليوم 24 يوليوز 1951)، المواد من 25 إلى 27، وهو يلغي ويعوّض قراري فاتح أكتوبر 1925 و25 فبراير 1931؛ نظام الطرق لمدينة الدار البيضاء المؤرخ في 26 ماي 1920، المواد 16 و18 و71، مقتطفات منشورة في إ. جوايان، Traité d’urbanisme، الجزء الأول، 1923، ص. 185-187؛ الملازم بيليار، Le concept de la propriété au Maroc dans la législation issue des dahirs، أطروحة، باريس، 1924، ص. 141-143 (نظام 1923)؛ «الراحة الكهربائية وكبار المعماريين المغاربة»، La Gazette de l’Électricité، يناير 1935؛ جان لوي كوهين، «الدار البيضاء اليهودية»، Quest العدد 19، 2021، ص. 23.
💬 التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!