في سنة 1930، وهي السنة نفسها التي بدأ فيها بناء عمارة الصايغ، أخذت الدار البيضاء تحلم بناطحات السحاب. أرادت سلطات الحماية أن تقيم قبالة الميناء صفاً من العمارات يتراوح ارتفاعها بين ستين وثمانين متراً؛ ورسم ماريوس بوايي «مدرّجاً مبنياً» مع منصة لطائرات الأجرة؛ وصنع أنطوان مارشيزيو مجسّماً لأبراج من خمسة عشر طابقاً تربط بينها جسور للمشاة. لم يُبنَ من ذلك شيء تقريباً. لكن هذا الحلم العمودي ترك أثراً ملموساً: فالمؤرخان جان-لوي كوهين ومونيك إلب يعيدان أصل عمارة الصايغ إلى مشروع بوايي لأحياء الميناء.
نيويورك المغرب
ترسّخت الصورة مبكراً. فمنذ 1914 جعل نموّ الدار البيضاء الناسَ يصفونها بأنها «مدينة على الطريقة الأمريكية». وفي مطلع العشرينيات لمس فيها والتر بيري، رئيس الغرفة التجارية الأمريكية بباريس، «أجواء يانكية». وفي 1928 أكّد الجنرال داماد أن إفريقيا الشمالية الفرنسية ستصير قبل نهاية القرن الولايات المتحدة، وستصير الدار البيضاء نيويورك. واقترح ليوندر فايا إقامة ناطحة سحاب بعلو 150 متراً في ساحة فرنسا، قائمة بذاتها ومصمَّمة على واجهاتها الأربع مثل أبراج عصر النهضة أو المآذن. وفي 1931 تخيّل مؤرخ الفن فرنان بونوا مرفأ المدينة محاطاً بـ«تاج من البنايات» ذات عشرة طوابق أو خمسة عشر، بتراجعات وشرفات.
ولم يكن هنري بروست، واضع تصميم المدينة، بعيداً عن هذه الفكرة. فالمشهد الذي يراه القادم من البحر بدا له «مخيّباً إلى حدّ ما»: خط أفقي بلا أثر، يمكن لخمسة أو ستة خطوط عمودية كبيرة أن تجعله «أكثر إرضاءً بكثير». ومع ذلك كان قد أهمل منذ 1920 اقتراح مهندس لبناية «على الطراز الأمريكي» مخصّصة للمكاتب.
مقبرة بين المدينة والبحر
في منتصف العشرينيات صارت الدار البيضاء الميناء الكبير والمدينة الصناعية اللذين أرادتهما سلطات الحماية. لكن بين المركز التجاري الجديد والأرصفة كانت تمتد مقبرة سيدي بليوط، «العائق الذي لا يُتجاوز» أمام التوسع نحو البحر. وفي أواخر العقد صار نقل القبور شرطاً لكل مشروع، واتخذ الحيّ المنتظر بين ساحة فرنسا والميناء مكانة مركز أعمال مقبل.
مشروع لابون
في ربيع 1930 عرض الكاتب العام للحماية، إيريك لابون، وهو من أشد أنصار تصنيع المغرب، على اللجنة البلدية مشروعاً لـ«إعادة تشكيل» وسط المدينة. فقد انتقل الميناء نحو الشرق وكبرت المدينة، وصار تصميم بروست في نظره متجاوَزاً. أراد أن يدمج حيّ الأعمال والميناء الأمامي في ما يشبه «مدينة» واحدة، وأن يقيم قبالة الأرصفة بنايات عالية تكون «ديكوراً معبّراً» عن قوة المدينة. ونفى عن نفسه كل جنون عظمة: فأسبابه، كما قال، «باردة ودقيقة».
أعدّ المشروعَ إدمون جوايان، ويقوم على شقّ طريقين كبيرين موازيين للشاطئ، يتصلان بالميناء عبر منحدرات، وتحفّهما بنايات يتراوح ارتفاعها بين 60 و80 متراً تربط بينها منشآت أخفض. وخصّص التصميم المعروض على اللجنة منطقة لـ«البنايات المرتفعة»، ونصّ على مرأب تحت الأرض يتسع لـ500 سيارة. وأيّد الفكرةَ المعماريُّ غريل والمقاولُ ريفولي، مع شكّهما في جدوى نقل المركز وبناء حيّ من ناطحات السحاب.
مدرّج بوايي
في أبريل 1930 درست اللجنة اقتراحَي ماريوس بوايي وروبير ليفر. أخذ بوايي على المشروع الرسمي افتقاره إلى محاور تكوين، وقدّم بدلاً منه «تصميماً معمارياً» في قلبه ساحة فسيحة طولها 450 متراً وعرضها 250، على امتداد الشارع الدائري (boulevard Circulaire). وعند مستوى أرصفة الإنزال محطة للقطار وأخرى للحافلات، وفوقهما منصة واسعة لهبوط طائرات الأجرة وإقلاعها.
ورغم قربه من «المدينة المعاصرة» التي تصوّرها لوكوربوزييه، رفض بوايي أن تصطف الأبراج على حافة الميناء نفسها. فالدار البيضاء في نظره «مدينة مسطّحة بلا طرافة»، ينبغي أن «يُخلق فيها من العدم الديكور الغائب». وتخيّل «نوعاً من المدرّج المبني» يزداد ارتفاعه كلما ابتعدنا عن الشاطئ. وعلى حافة الماء بنايتان فقط، «بوابتان ناطحتا سحاب»؛ أما الباقي فعمارات حديثة «متدرجة وبلا أفنية»، تشبه، كما يلاحظ كوهين وإلب، تلك التي سيبنيها في الثلاثينيات. وسيصف لابون الفكرة بأنها «جديدة وبارعة».
أما ليفر فلم يقبل ناطحات السحاب إلا على مضض: لا «كتل أمريكية»، بل أبراج على شكل صليب ومتدرجة، على طريقة المعماري الباريسي هنري سوفاج. واكتفى في الغالب بتهوية تصميم بروست، وهذا الحذر هو ما طمأن المنتخبين الذين كانوا يخشون أن تُغرق البنايات العالية سوق العقار.
خمسة عشر طابقاً وجسور للمشاة
التزمت سلطات الحماية بألا تبيع الأراضي المخصصة للبنايات المرتفعة إلا بتدرّج شديد، وعُرض التصميم على البحث العمومي في ماي 1930؛ وفي يوليوز أُعلن ذا منفعة عامة ووُقّع نظام الحي. وأعطاه أنطوان مارشيزيو صورته النهائية: تنسيق «فخم» من بنايات بخمسة عشر طابقاً تربط بينها أروقة وجسور للمشاة، راجعه بروست. ونشرت مجلة La Construction moderne مجسّمه في دجنبر 1930.
الحلم يتعثّر
كشف البحث العمومي، وقد ظلّ سجلّه مفتوحاً سنة 1932 بشأن تعديل للتصميم، عن معارضة شرسة من الشركات العقارية المالكة لأراضٍ داخل المحيط. فقد أقرّ «Comptoir lorrain» بالحاجة إلى طرق واسعة، لكنه أعلن أنه «معارض صراحة» لبنايات مرتفعة لا تلبّي إلا «حاجات خيالية أو نظرية». واحتجّت كذلك «Société mobilière et immobilière franco-marocaine» و«Société marseillaise de crédit» وجريدة Le Petit Marocain. وسخر كاتب استعماري، هو جان مارك، من مشاريع أرادت أن تجعل من الدار البيضاء «لا ندري أيّ نيويورك، وأيّ شيكاغو إفريقية».
وحتى بروست، في تقرير نهاية مهمته سنة 1932، خشي «ازدياد السلّ» في العمارات المحرومة من الضوء عند أقدام هذه «البنايات الأنانية»، وحركة مرور مختنقة بلا رجعة. وفي الثلاثينيات تعثّر المشروع. غير أن الطرق التي تصل المركز بالشاطئ أُنجزت؛ وأعادت البلدية طرح الفكرة سنة 1938 حين كلّفت ديسمي بدراسة جديدة، وبعد 1945 استأنف كورتوا وميشيل إيكوشار التفكير في «مركز الأعمال»، في الوقت الذي عاد فيه لابون إلى المغرب.
أما بوايي فلم يستسلم. ففي 3 أبريل 1931 نشرت جريدة Le Petit Marocain مشروعين له لبنايتين مرتفعتين قالت إن الدار البيضاء «ستراهما ترتفعان في غضون أشهر». ولم تُبنيا قط.
ما بقي: ثلاثة أبراج
وفي أثناء هذه النقاشات كان بوايي يبني. فعمارة الصايغ، المشيّدة بين 1930 و1932، هي في نظر كوهين وإلب العمل الذي جمع فيه أحبّ مراجعه إليه، بحجم لم تعرفه الدار البيضاء. ويعيدان أصلها إلى مشروعه لأحياء الميناء سنة 1930 وإلى محاضرة ألقاها سنة 1929 وصف فيها ناطحة السحاب المثالية: على شكل صليب، بلا أفنية داخلية، مع مستودعات ومرائب تحت الأرض، ومتاجر في الأسفل، ومكاتب ومساكن في الطوابق.
ونجد معظم ذلك في شارع حسن الصغير: ثلاثة أبراج على تصميم صليبي، ومرأب تحت الأرض، ومتاجر في الطابق الأرضي، وشرفات متدرجة، أي تلك «التراجعات» التي وعد بها بوايي أحياء الميناء. وبطوابقها العشرة كانت عمارة الصايغ آنذاك من أعلى عمارات المدينة. ليست البرج ذا الثمانين متراً الذي تصوّره مشروع لابون، وكان بوايي يحلم بناطحة سحاب بضعف ارتفاعها. لكن من الدار البيضاء العمودية التي تُخيّلت سنة 1930 بقي هنا جزء ملموس، ما زال مسكوناً.
أسئلة شائعة
ما هو مشروع لابون؟
مشروع لإعادة تشكيل وسط الدار البيضاء قدّمه في ربيع 1930 إيريك لابون، الكاتب العام للحماية. أعدّه إدمون جوايان، ونصّ على طريقين كبيرين موازيين للشاطئ تحفّهما بنايات بارتفاع 60 إلى 80 متراً، لدمج حيّ الأعمال بالميناء.
لماذا لم تُبنَ ناطحات سحاب الدار البيضاء؟
عارضتها الشركات العقارية خلال البحث العمومي، وخشيت البلدية إغراق سوق العقار، وتخوّف هنري بروست من شوارع مظلمة ومختنقة. فتعثّر المشروع في الثلاثينيات، ولم يُنجز منه إلا الطرق المؤدية إلى الشاطئ.
ما كان مشروع ماريوس بوايي؟
في أبريل 1930 اقترح بوايي ساحة طولها 450 متراً وعرضها 250 مع محطات ومنصة لطائرات الأجرة، و«نوعاً من المدرّج المبني» يزداد ارتفاعه كلما ابتعدنا عن الشاطئ، مؤلفاً من عمارات متدرجة بلا أفنية.
ما علاقة ذلك بعمارة الصايغ؟
بحسب جان-لوي كوهين ومونيك إلب، تنبثق عمارة الصايغ (1930-1932) من مشروع بوايي لأحياء الميناء ومن محاضرته سنة 1929 عن ناطحة السحاب: أبراج على شكل صليب، ومرأب تحت الأرض، ومتاجر في الأسفل، وشرفات متدرجة.
المصادر: جان-لوي كوهين ومونيك إلب، Casablanca. Mythes et figures d’une aventure urbaine، Hazan، ص. 118-125 وفصل «Des arts décoratifs à la modernité»؛ ويستشهد المؤلفان خاصة بـBulletin municipal officiel (فبراير-أبريل 1930)، وLa Construction moderne (14 دجنبر 1930)، وLe Petit Marocain (3 أبريل 1931)، وتقرير نهاية مهمة هنري بروست (1932). الترجمات من الفرنسية من إعدادنا.
💬 التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين!